الحكيم الترمذي
73
كيفية السلوك إلى رب العالمين
فيبلغ بهم الحال إلى ما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حدّثنا بذلك الفضل بن محمد بن مصفا الحمصي ، حدّثنا سويد بن عبد العزيز عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عندما ذكر الزيادة : « لا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره اللّه محاضرة ، فيقول : أي فلان ، أتذكر غدرتك يوم كذا وكذا ؟ أتذكر يوم كذا وكذا ؟ فانظر أي شيء هذا ؟ ومن يعرف هذا ؟ » « 1 » . ذلك ليعلم أن أحوال الدنيا كلها قد انطمست ، وذهبت الحشمة ، وزالت العبودة ، وغمر فضله قبح المعاصي التي كانت منهم ، فإذا ذكر لهم ذلك لم يدخلهم روع ولا حياء . وإلى ما هاهنا تفهم العامة من أهل الباطن ، ثم من وراء ذلك علم الخاص من الأولياء ما لا يفهمه جمهور أهل الباطن ، ومن أين يدرون ما ذلك الفضل الذي يذهب عنهم حشمة المعاصي ؟ وإنما يعرف ذلك من لحظ البدء في الذكر الأول قبل المقادير ، قبل أن تصير الأمور السيئات سيئات ، فهاهنا نعلم ما هذا ، وأن أهل الجنة إذا انطمست أحوال الدنيا وانقضت مدة ذلك اليوم ، عادوا إلى الحالة التي ابتدأهم منها ، فإن من أهل الجنة من لقي اللّه بعجائب من الذنوب والخطايا ، والجسارة عناء وشدة ، وفي اللحود عذاب ، فإذا مضت هذه المدة التي وصفنا ؛ انطمست هذه الآثار كلها ما لقوا اللّه به من الذنوب ، وما لقوا من العنت والعذاب ، فصاروا أحبّاء وخلصاء ، فمن اتقى ذلك اليوم وثب من قبره إلى اللّه وثبة المشتاقين ، وبيده بضعة من قلب قد نغل ، وبضعة من كبد قد عفن ، والنغل من حريق الشوق ، والعفن من مرارة ما لقي في جنبه من الأذى ، واستخفافهم بحق اللّه وإعراضهم عن اللّه ، فإذا لقي ربه بثّ شكواه . فكان كما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، رواه صالح بن عبد اللّه عن يحيى بن سليم الطائفي عن محمد بن مسلم عن من حدّثه عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص - رضي اللّه عنهما - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن : يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ؟ [ المعارج : 4 ] . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « طول على الكفار ، وأمّا المؤمنون فصنفان : صنف منهم يكون عليهم ذلك اليوم كرجلين تناجيا فطال نجواهما ، ثم افترق كل واحد إلى منزله ،
--> ( 1 ) روى نحوه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول في أحاديث الرسول ، الأصل التاسع ، في مرتبة روح المؤمن ، [ 1 / 99 ] .